أعمدة ومقالات

طوفان الأقصى وبداية النهاية

طوفان الأقصى وبداية النهاية

زار الرئيس الأمريكي بايدن إسرائيل بعد عشرة أيام من هزيمتها التاريخية المنكرة التي بدأت يوم السابع من أكتوبر 2023 على يد كتائب المستضعفين الفلسطينيين في قطاع غزة، وظن بنو آدم أن رئيس الدولة العظمى آدمي مثلهم يلزمه وقف المجازر الإسرائيلية لأنها غير آدمية، ولكن خاب ظن الجميع “وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ”. فقد أرسل بين يديه حاملتي طائرات والتزم بتقديم الدعم بكافة أنواعه لإسرائيل لقصف المدنيين العُزل، ولم يُدن المذابح، ولم يقدم حلا للقضية الفلسطينية التي بدأت منذ ثلاثة أرباع القرن، بل كأنه يُخرج لسانه للآدميين جميعا وهو يقول: من يقوى على حربنا فليحارب!!

لا تتعجب أيها القارئ؛ من انعدام آدميتهم فقد تعرض العالم الإسلامي من أمثالهم لهجمات وحشية على مدى تاريخه البعيد، فمثلا قتل الصليبيون تسعين ألفاً في حملتهم على بيت المقدس، وكذلك التتار قتلوا في بغداد وحدها زهاء مليوني مسلم. وخلال تاريخ الحركة الاستعمارية الغربية ارتكب المستعمرون مجازر بحق الشعوب التي قامت تدافع عن وطنها ودينها وخيراتها، فقد بلغت أعداد قتلى المسلمين في الهند حتى عام 1880م مليون مسلم سقطوا على يد المستعمر الإنجليزي، وكان البرتغاليون قبلهم قد أحدثوا مجازر عند سيطرتهم على الشواطئ الهندية، ويسجل القائد البرتغالي البوكيرك بفخر وهو يخاطب ملك البرتغال مهنئاً إياه بالسيطرة على مقاطعة جوا الهندية فيقول: “وبعد ذلك أحرقتُ المدينة، وأعملتُ السيف في كل الرقاب، وأخذتْ دماءُ الناس تُراق أياماً عدة، وحيثما وجدنا المسلمين لم نوقر معهم نفساً، فكنا نملأ بهم مساجدهم، ونشعل فيها النار، حتى أحصينا ستة آلاف روح هلكت، وقد كان ذلك يا سيدي عملاً عظيماً رائعاً أجدنا بدايته وأحسنا نهايته”. 

وتتعدد أشكال الاستعمار عبر التاريخ، ويُعَدّ الاستعمار الاستيطاني من أكثر أشكال الاستعمار خطراً؛ لأنّه يستولي على الأرض من أهلها، ولا يكتفي باستغلال السكان، وإنّما يقتلعهم من أرضهم وديارهم، إمّا بإبادتهم، أو تهجيرهم، فهو يُحوّل البلاد التي يستعمرها إلى (أرض بلا شعب(؛ ليجعلها أرضًا خالصة له عن طريق استئصال كل ما ينتمي إلى تلك الأرض بشريًّا وحضاريًّا؛ بهدف إنشاء دولة عنصرية للمستوطنين.

يقول آرثر بلفور “1848-1930م” وزير خارجية بريطانيا وصاحب وعد بلفور المشهور: (إن الاستعمار الاستيطاني هو حقّ للرجل الأبيض في نقل الحضارة للشعوب المتخلّفة، وذلك باحتلال بلدانهم، ولو كان ثمن ذلك القضاء على السكان الأصليين(.

ويتجلّى الاستعمار الاستيطاني في سلسلة من المعارك والحروب التي تبلغ ذروتها في تمكُّن المستوطنين من فرض إرادتهم على الأرض، وفي بعض الحالات تتحوّل المعارك إلى عملية إبادة جماعية، ففي أمريكا الشمالية عُرفت هذه الحروب باسم حروب الهنود الحمر، حيث أباد المستعمرون الجدد سكان البلاد الأصليين. وفي المنطقة العربية عُرفت باسم الصراع العربي- الصهيوني، والذي تمثل في تهجير الفلسطينيين وتشريدهم عام1948 م. بل إن حرب الإبادة للفلسطينيين بدأت منذ 1936 على يد عصابة الهاجاناه الصهيونية، التى تكون منها جيش الاحتلال بعد ذلك.

ثم توالت المذابح تترى في فلسطين فزادت على مائتي مذبحة، وكان أشهرها : مذبحة قريتي الشيخ وحواسة (31 ديسمبر عام 1947 ومذبحة قرية سعسع (14 ـ 15 فبراير 1948)، ومذبحة رحوفوت (27 فبراير 1948) في مدينة حيفا حيث تم نسف قطار القنطرة الأمر الذي أسـفر عن اسـتشهاد سـبعة وعشرين عربياً وجرح ستة وثلاثين آخرين. ومذبحة دير ياسـين (9 أبريل 1948(: وراح ضحيتها زهاء 260 فلسطينياً من أهالي القرية العزل، وقامت القوات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب ـ اعتداء ـ بتر أعضاء ـ ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة)، وألقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة. ومذبحة كفر قاسم (29 أكتوبر 1956): حيث سقط 49 قتيلاً و13 جريحاً. أما مذبحة صابرا وشاتيلا (16-18 سبتمبر 1982): فقد وقعت بمخيم صابرا وشاتيلا الفلسطيني بعد دخول القوات الإسرائيلية الغازية إلى العاصمة اللبنانية بيروت وإحكام سيطرتها على القطاع الغربي منها. وراح ضحيتها 1500 شهيد من الفلسطينيين واللبنانيين العزل بينهم الأطفال والنساء.

خلاصة القول:

1= ما يحدث في غزة الآن في أكتوبر 2023 سبقته سلسلة من المذابح والتدمير والإبادة الجماعية في فلسطين بدأت منذ عام 1936م. 

2= الاعتماد على أي قوى غربية في حل القضية هو ضرب من السذاجة والسخف السياسي، فدولة بريطانيا الاستعمارية هى صاحبة “وعد بلفور 1917″، وأمريكا وريثة بريطانيا تسير على ذات النهج الاستعماري، فقد زرعوا تلك الدولة الصهيونية لتحقيق مصالحهم في منطقة الشرق الأوسط. وبقية الدول الغربية التي تربطها المصالح بأمريكا يستحيل أن يخالفوا سياستها.

3= الانتصار على العدو الصهيوني يتم بإحدى وسيلتين لا ثالث لهما: الوسيلة الأولى تكون بجيش منظم قوي تكون خطته محو تل أبيب من على الخريطة، وليس خطة أقل من ذلك، فقد كانت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 عظيمة، ولكن الخطة فيها كانت “الوصول للمضايق” وليس إلى تل أبيب. مع الوضع في الحسبان أن وضع خطة للوصول إلى تل أبيب يعني المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة سيدة العالم الأولى ليس في قوة الجيوش فحسب؛ بل في ضرب المدنيين، ابتداءا من ضرب المدنيين في اليابان بقنبلتي هيروشيما وناجازاكي، مرورا بقتل المدنيين داخل أسوار برلين وفي محارق أحراش فيتنام، وفي أسواق العراق، فعدوك الأمريكي وجنديه الصهيوني لا يعرفان المروءة ولا الرجولة ولا الشرف العسكري، ولا يتورعون عن ضرب المستشفيات ولا المدارس ولا الملاجئ، فلو كانت الحرب تحمل طابع الشرف لانتصر العرب في أي حرب من أول جولة، ولكن خشيتك على شعبك من الخيانة والغدر والخسة من عدوك تجعلك تفكر مليا قبل اتخاذ القرار.

4= الوسيلة الثانية –وأظنها هى الأوقع: وهى الميليشيات المسلحة والجماعات الفدائية العنقودية، فهذه الميليشيات تعجز الجيوش النظامية عن تتبعها أو تخمين خططها أو توقع هجماتها، كما حدث في فيتنام ضد الولايات المتحدة، وفي أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي ثم الولايات المتحدة. وما حدث في مصر من عمليات فدائية ضد الاحتلال الإنجليزي، وفي فترة حرب الاستنزاف “1967-1973م” ضد العدو الصهيوني، وما حدث عدة مرات من ميليشيات حزب الله اللبناني، وما حدث من ميليشيات حماس في أكتوبر 2023. ويتمثل هذا العمل الفدائي في “العمليات الاستشهادية” ، ودعك ممن يدعي خلافا فقهيا “هل هى استشهادية أم انتحارية” فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة!!.

= ما يحدث في غزة الآن في أكتوبر 2023 هو بداية النهاية للكيان الصهيوني، فدولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة ، قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. (البقرة-214)

للحديث بقية.

وعلى الله قصد السبيل

 

الأستاذ الدكتور – عبد العظيم أحمد عبد العظيم

أستاذ جغرافية الأديان- قسم الجغرافيا كلية الآداب – جامعة دمنهور- مصر

Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى